
4th December 2007, 07:01 PM
|
 | مشرف منتدى المعلــّم | | تاريخ التسجيل: Dec 2007
المشاركات: 425
| |
فيما يتعلق بالنشاط البيداغوجي | | السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الجزء الرابع (1)
فيما يتعلق بالنشاط البيداغوجي:
سواء تعلق الأمر بالنشاطات العلمية والرياضية أو بالنشاطات اللغوية، فقد كان الهدف التربوي للمرافقة البيداغوجية والتكوينية للمؤسسة قائما على تفعيل ما أمكن من النشاطات على أساس أن المرحلة هي مرحلة تحضيرية وليست مدرسية، وبالتالي يجب إضفاء الجو التربوي الذي يسمح للطفل بالشعور بكثير من الحرية الشخصية في إطار تربوي إشرافي منظم، ويقتضي من جهة أخرى تهيئة الفضاءات والمجالات بطريقة تعطي للطفل الإنطباع بأنه في جو مفسوح وغير مقيد وبإمكانه استغلال طاقاته وتفريغها بصفة إيجابية، ورغم مطالب الأولياء وإلحاحهم، فقد غلّبنا الجانب التربوي الترفيهي التعلمي على الجانب التعليمي المدرسي، فالطفل لايقضي وقته في القسم أمام السبورة وتحت طائل التوقيت الساعي المرزنم.
فعلى الرغم من وجود الدليل والمنهاج ووجود المقررين العلمي الرياضي واللغوي ابتداءً من الدخول المدرسي 2006/2007 إلا أننا جعلنا الكل يشعر ويلتزم أن هذه المقررات البيداغوجية هي مقررات دعم بيداغوجية قاعدية وليس من الضروري أن تقوم المربية بإتمامها مع نهاية السنة الدراسية وليس من الضروري أن يهضمها الطفل كلها في آخر السنة، فالجانب التربوي متنوع وثري وبإمكان المربية استغلال المساحات المتوفرة لتفعيل العلاقة بين الطفل ووسطه التربوي، وتنطلق من قاعدة أن المرحلة التربوية ما قبل المدرسية ليست نظاما تعليميا مدرسيا.
إن المسؤولية حاسمة وكبيرة من زاوية عدد الأطفال المسجلين إجمالا في الرياض التابعة للمؤسسة، حيث بلغ العدد الإجمالي للأطفال المسجلين في الأقسام التحضيرية على مستوى 28 روضة بالعاصمة 589 طفلا للسنة الدراسية 2005/2006 في حين قفز العدد تدريجيا ليصل في السنة الموالية 2006/2007 إلى 651 طفلا، الشىء الذي يجعل من التجربة محكا تربويا قويا يكشف مدى القدرة على الإنتقال بالنموذج التربوي من إطاره السابق إلى الإطار التربوي الجديد الذي ينهل من منظور المقاربة بالكفاءات، في الوقت الذي آل الوضع البيداغوجي في التجربة السابقة إلى خليط من النماذج والتجارب المختلفة ( ديكرولي Decroly، مونتيسوري، Montessori ديوي Dewey، ماكارينكو Makarenkoوفيغوتسكي Vygotski).
لذا وبناءً على ما سبق فإن التحوّل الجديد في التجربة التربوية ما قبل المدرسية في الجزائر جاء ليربط خططها وما تتضمنه من نشاطات وتطبيقات ربطا عضويا متكاملا من خلال الجمع بين منظور البنائية التربوية ومنظور المقاربة بالكفاءات معرفيا، هذا المنظور الذي جاء كإجابة للاجتهادات والرؤى التي قدمتها المدرسة السلوكية، التي كانت تحصر التعلم في مبدأ (المثير / الإستجابة)، لتضع الفكر التربوي أمام مشروع جديد وهو المرتبط بالمنظور التربوي البنائي الذي ينطلق من حالة حصول علاقة تعلمية محددة بين الطفل ومحيطه التربوي على مبدأ (التأثير/ المؤثر) والذي يستدعي وجود قابلية في الجسم أو الذات لدى المتعلم الذي هو الطفل (المؤثر/ الذات/ العملية التربوية) حيث جمعت البنائية التربوية ضمن هذا المنظور صيغة التصورات التعليمية الديداكتيكية (الدراسة العلمية للعملية التعليمية) التي تجعل وضعيات التعلم تثير لدى الطفل الحاجة إلى البحث عن المخرجات وصياغة الحلول للمشكلات وإثارة القضايا المرتبطة بتثمين الكفاءات وخلق فرص المبادرة والإبداع كما تقوم هذه التصورات الديداكتيكية على فكرة مركزية تجعل من المعرفة بالخصائص النفسية والعقلية للطفل منطلقا لبناء وضعيات التعلم (راجع كتاب: الخصائص النمائية للطفل في المرحلة التحضيرية) التي تسمح له باكتساب عدد من الكفاءات وذلك اعتمادا على الحاجة إلى التمثيل والبناء وتقوم هذه النزعة البنائبية على مايلي:
ـ أنها تضع الطفل المتعلم في مواجهة مشكل طبيعي مستمد من الممارسة اليومية .
ـ أنها تحث على بحث المشكل المطروح ومناقشته جماعيا.
ـ أنها تحث على بحث تقويمي متعدد الإتجاهات يراعي الفروق الفردية لكل متعلم وخاصة منها التقويم التكويني.
ـ أنها تحث على تقليص حضور المربية وتدخلها المحوري والأساسي خلال تنفيذ النشاطات، والدعوة إلى إتاحة الفرصة أمام الطفل للتدخل وخاصة من خلال النشاطات المتعلقة بحل المشكلات.
ـ التدريب على المناقشة الجماعية والتعاون المستمر واستخلاص النتائج الطبيعية للمشكلات.
ـ المعاينة المستمرة والمتواصلة لطبيعة النتائج النهائية للمتعلم، حيث أن التقويم التكويني يساعد في تشخيص الصعوبات وعلاجها ومتابعة تقدم التعلمات ومراجعة الممارسات التربوية أثناء تنفيذ الوضعيات التعلمية، بما يستدعي إعداد قائمة للمحكات التي تعتمد لتشخيص المكتسبات الأساسية والصعوبات وضبط مصادرها وصولا إلى بناء أساليب علاجية تضمن التوفيق المناسب للطفل مع هذه الوضعيات.
لذا كان الجهد التربوي البنائي في المؤسسة قائما على أساس ضمان المرونة الكاملة في استخدام ما جاء في الدليل والمناهج، والعمل على الإنتقال التدريجي المنتظم للطفل لجعله في موقع تربوي يتيح له بناء خبراته التربوية بطريقة تراكمية فاعلة، وهذا ما يجعل المربية بدورها أحسن من يقوم بتقدير الحاجات الفعلية للطفل أمام هذا العرض التربوي المتنوع، شريطة أن يبقى الحجم الساعي الإجمالي للنشاطات محترما، فإذا كان المجال التواصلي يتضمن ثماني ساعات، فإن المرونة تقتضي هنا تفادي النظام الحصصي، وتقتضي أيضا تقدير الحاجة الفعلية للطفل للنشاطات المبرمجة، بين مختلف النشاطات اللغوية بالإضافة إلى التربية الإسلامية والتربية المدنية.
هناك آلية ذات أهمية كبيرة من الضروري احترامها والإبقاء عليها فاعلة في حياة الطفل، وهو أن تتاح للطفل كل الظروف والشروط التي تسمح له بطرح ما يشاء من الأسئلة، لأنه في حقيقته وهو يطرح هذه السلسلة من الأسئلة يود أن يدخل فعلا في دورة التعلم كما يسميها شارلز بارمان Charles Barman، وهذه الدورة تجعله في حيوية مستمرة ودائمة باحثا عن استكشاف ما يحيط به واكتسابه كقيمة معرفية ذات توجه اجتماعي ـ نفسي، فالطفل يستقصي الحادثة من أجل الوصول إلى الإكتشاف، الذي هو مدخله إلى التعلم.
فبالإستقصاءInquiry ينتقل الطفل إلى الإكتشافDiscovery ، فمثلا في النشاطات المتعلقة بالمبادئ الأولية للقراءة فإن الإستقصاء يسمح بتوفير الشرط البيداغوجي الذي يهيئ الطفل للتمكن أكثر في التحكم في المفاهيم التي تحيط به والتي بها سيتمكن من اكتساب مهارات لغوية جديدة، فمن خلال هذه الأداة يسهل عليه التعرف وفهم واستعمال تدريجي لبعض الكلمات والتحكم في معناها ومدلولاتها، بالتركيز خاصة على مجال الإتصال التربوي الشفوي ـ التواصل الشفهي ـ كقاعدة لعملية التعلم، والذي هو جد مهم في هذه المرحلة من ناحية إتاحة الفرصة لتعلم اكثر وثوقا فيما يتعلق بتعلم المبادئ الأولية للقراءة، التي من خلالها يكتسب مفاهيمه الجديدة، وهكذا نساعد الطفل على بناء مفاهيمه وتنظيمها.
ولعلنا بالتمعن في الفكر التربوي المعاصر نلاحظ توفر مساحات واسعة لضبط المنهجية المعرفية التي تسمح بالتقرب من عالم الطفل في المرحلة ما قبل المدرسية وتحديد سياقات تنمية وتطوير مهاراته بالإرتكاز على هاتين الآليتين من آليات دورة التعلم وهما الإستقصاء والإكتشاف، إذ تحدد في هذا الإطار المفاصل المفتاحية لبيداغوجية النشاطات وهي تعد من ضمن أهم الأسس البيداغوجية، فمن خلالهما يتم رصد ورسم مسارات التدخل ومجالات تفعيل النشاطات التربوية، من نماذج تنصيب الأقسام التربوية كمختبرات لتنمية الخبرات التعلمية لدى الطفل وتحفيزه أكثر، وذلك بتمكينه من تعلّم حل المشكلات التي يصادفها في حياتها اليومية، أي ما استشكل عليه من السيرورات والتنظيمات والمفاهيم والتصرفات والسلوكات وما إلى ذلك. |